ابن كثير
26
البداية والنهاية
وعمرو بن العاص في أول سنة ثمان قبل الفتح . وقد روى الواقدي حديثا طويلا عنه في صفة إسلامه ، وهو الذي أخذ منه رسول الله مفتاح الكعبة عام الفتح ثم رده إليه وهو يتلو قوله تعالى : * ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * [ النساء : 58 ] وقال له : " خذها يا عثمان خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلا ظالم " . وكان علي قد طلبها فمنعه من ذلك . قال الواقدي : نزل المدينة حياة رسول الله ، فلما مات نزل بمكة فلم يزل بها حتى مات في أول خلافة معاوية . عمرو بن الأسود السكوني كان من العباد الزهاد ، وكانت له حلة بمائتي درهم يلبسها إذا قام إلى صلاة الليل ، وكان إذا خرج إلى المسجد وضع يمينه على شماله مخافة الخيلاء ، روى عن معاذ ، وعبادة بن الصامت ، والعرباض بن سارية وغيرهم ، وقال أحمد في الزهد : ثنا أبو اليمان ثنا ابن بكر عن حكيم بن عمير ، وضمرة بن حبيب : قالا : قال عمر بن الخطاب : من سره أن ينظر إلى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هدى عمرو بن الأسود . عاتكة بنت زيد ابن عمرو بن نفيل بن عبد العزى ، وهي أخت سعيد بن زيد أحد العشرة ، أسلمت وهاجرت وكانت من حسان النساء وعبادهن ، تزوجها عبيد الله بن أبي بكر فتتيم بها ، فلما قتل في غزوة الطائف آلت أن لا تزوج بعده ، فبعث إليها عمر بن الخطاب - وهو ابن عمها - فتزوجها ، فلما قتل عنها خلف بعده عليها الزبير بن العوام ، فقتل بوادي السباع ، فبعث إليها علي بن أبي طالب يخطبها فقالت : إني أخشى عليك أن تقتل ، فأبت أن تتزوجه ولو تزوجته لقتل عنها أيضا ، فإنها لم تزل حتى ماتت في أول خلافة معاوية في هذه السنة رحمها الله . سنة ثنتين وأربعين فيها غزا المسلمون اللان والروم فقتلوا من أمرائهم وبطارقتهم خلقا كثيرا ، وغنموا وسلموا ، وفيها ولي معاوية مروان بن الحكم نيابة المدينة ، وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام ، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة ، وعلى قضائها شريح القاضي ، وعلى البصرة عبد الله بن عامر ، وعلى خراسان قيس بن الهيثم من قبل عبد الله بن عامر . وفي هذه السنة تحركت الخوارج الذين كانوا قد عفى عنهم علي يوم النهروان ، وقد عوفي جرحاهم وثابت إليهم قواهم ، فلما بلغهم مقتل علي ترحموا على قاتله ابن ملجم وقال قائلهم : لا يقطع الله يدا علت قذال ( 1 ) علي بالسيف ، وجعلوا يحمدون الله على قتل علي ، ثم عزموا على الخروج على الناس وتوافقوا على الامر بالمعروف
--> ( 1 ) القذال : جماع مؤخر الرأس ، والخارجي القائل هو سالم بن ربيعة العبسي .